العملات الآسيوية تواصل تراجعها
بواسطة بيانات.نت ـ لطالما تلقت الاستراتيجيات الاقتصادية للدول الناشئة الاسيوية العديد من الانتقادات من طرف صندوق النقد الدولي، حيث أنها تراكم احتياطات ضخمة من العملات الأجنبية، ما يؤدي إلى رفع أسعار صرف عملاتها في مواجهة غيرها من العملات الدولية. الآن يبدو وضع عديد من العملات الآسيوية محل شك وتساؤل حول قدرتها على مواجهة التحديات التي يفرضها الاقتصاد الدولي.
فقد شهدت عديد من عملات البلدان الآسيوية خاصة منطقة جنوب شرق آسيا تراجعا ملموسا في قيمتها في الأسابيع الأخيرة، كما شهد اليوان الصيني انخفاضا حادا في مواجهة الدولار ليصل خلال الأسبوع الماضي إلى أدنى مستوى له في ثمانية أعوام أمام نظيره الأمريكي.
وأثارت تلك التراجعات مخاوف حقيقية بتعرض بلدان جنوب شرق آسيا والصين، لمزيد من عدم الاستقرار الاقتصادي، الذي يمكن أن يهز تلك المنطقة الحيوية من الاقتصاد العالمي، وما قد يأثر أيضا على المنظومة الاقتصادية الدولية.
ويعتقد بعض الخبراء الاقتصاديين أن الإجراءات التي اتخذتها البلدان الآسيوية أخيرا مثل ماليزيا والصين بفرض المزيد من القيود على إخراج العملة المحلية خارج البلاد، تأتي في إطار جهود السلطات المالية في تلك البلدان للتصدي لانسحاب رؤوس الأموال الأجنبية من الاقتصاد الوطني، نظرا لتداعيات ذلك على النمو الاقتصادي، وعلى قيمة العملة الوطنية على وجه التحديد.
من جانب اخر، منذ بداية العام حتى شهر أكتوبر الماضي خرج من الصين 275 مليار دولار أمريكي في شكل عملات محلية، وذلك مقابل 105 مليارات فقط خلال نفس الفترة من العام الماضي، جزء من تلك الزيادة يعود بالطبع إلى تدهور قيمة العملة الصينية في مواجهة الدولار.
والخطر الاكبر الذي ستتعرض له أسعار صرف العملات الآسيوية هو امتداد واتساع نطاق تراجع أسعار الصرف الذي طال الجميع بصرف النظر عن درجة التطور الاقتصادي لهذا البلد أو ذاك. وقد بدأ انخفاض أسعار صرف العملات الآسيوية من اليابان، حيث انخفض الين بنحو 8%، وإلى ماليزيا، حيث تراجع الرينجت بنحو 6%. أما عملتا إندونيسيا وكوريا الجنوبية فخسرتا نحو 4% من قيمتهما، وفي الفلبين انخفض البيزو إلى أدنى مستوى له منذ اندلاع الأزمة المالية عام 2008، وربما تكون تايلاند هي الأفضل، إذ فقدت عملتها 2% فقط من قيمتها.
ويخشى عدد من الخبراء أن تكون التقلبات الراهنة في أسواق العملات، أعنف بكثير من القدرة على السيطرة عليها وقد تؤدي إلى تفاقم الأوضاع، جراء توتر صناع السياسات المالية بسبب التآكل الراهن لجزء كبير من الاحتياطات المالية، التي راكموا فيها لسنين، وتضعضع قيمة العملة المحلية بما يفرضه ذلك من قيود على قدرة المصارف المركزية في مواصلة خفض سعر الفائدة.
في حالة فشلت السياسات المالية للمصارف المركزية الآسيوية في الحد من تراجع أسعار الصرف للعملات المحلية، مع ضرورة الإبقاء على سياسة التيسير الكمي لضمان حد أدنى من النمو، فربما لن يكون أمام بعض الدول مثل الفلبين وماليزيا وإندونيسيا سوى اللجوء لدفع العملات المحلية لمزيد من التراجع، لإحداث قفزة ضخمة للصادرات وخفض الواردات بصورة ملموسة، بهدف استعادة التوازن المفقود في الميزانيات العامة، لكن خطورة هذا التوجه تتمثل في أنه قد يحقق نجاحات واضحة خلال الفترة الأولى، لكن مع اتساع نطاقه فإنه يمكن أن يؤدي إلى اندلاع حرب عملات وحرب تجارية، وربما يسبب أيضا مزيدا من التعقيدات الاقتصادية التي ستتجاوز آسيا في أغلب التقديرات.