النحاس-الإمدادات-الأسعار
بيانات.نت , تشهد أسواق المعادن العالمية موجة صعود قوية يقودها النحاس، الذي واصل ارتفاعه الحاد خلال تعاملات الأربعاء متجاوزاً حاجز 14,000 دولار للطن، في ظل تصاعد المخاوف من اختناقات الإمدادات العالمية وتزايد الطلب الصناعي المرتبط بالطاقة والذكاء الاصطناعي والتحول الكهربائي.
ويأتي هذا الصعود المتسارع ليضع المعدن الأحمر في دائرة الضوء مجدداً، بعدما سجل مستويات قريبة من قمته التاريخية، وسط توقعات بأن يمتد الزخم الحالي إذا استمرت الضغوط على جانب العرض في الأسواق العالمية.

صعود قياسي يقترب من القمة التاريخية
ارتفع النحااس للجلسة الثامنة على التوالي ليصل إلى 14,196.50 دولار للطن في بورصة لندن للمعادن، مقترباً من أعلى مستوى تاريخي له عند 14,527.50 دولار للطن الذي سُجل في يناير الماضي.
ويعكس هذا الأداء القوي تحول النظرة الاستثمارية تجاه النحااس من مجرد معدن صناعي إلى أصل استراتيجي مرتبط بمستقبل الطاقة والتكنولوجيا، خاصة مع توسع استخدامه في شبكات الكهرباء، والسيارات الكهربائية، ومراكز البيانات، والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
أزمة الإمدادات تشعل الأسعار
تواجه سوق الننحاس ضغوطاً متزايدة على جانب العرض نتيجة اضطرابات الإنتاج في عدد من المناجم الرئيسية حول العالم، إلى جانب نقص المواد الأساسية المستخدمة في عمليات التعدين والمعالجة مثل الكبريت، والذي أدى إلى تعقيد عمليات الإنتاج في بعض المناطق، خصوصاً في أفريقيا.
ويؤثر هذا النقص بشكل مباشر على قدرة الشركات على الحفاظ على مستويات الإنتاج الطبيعية، ما يعمّق فجوة العرض في السوق العالمية.
كما أشار محللون إلى أن تراجع المخاوف الجيوسياسية في بعض الملفات الإقليمية ساهم في تحويل التركيز مجدداً نحو العوامل الأساسية للسوق، وعلى رأسها اختلال التوازن بين العرض والطلب.
الصين تقود الطلب العالمي رغم الضغوط
تواصل الصين لعب دور المحرك الرئيسي للطلب العالمي على النحاس، مدعومة بنمو قطاعات الطاقة المتجددة، وتوسيع شبكات الكهرباء، والتوسع السريع في مشاريع الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.
لكن في المقابل، بدأت سوق النحااس المكرر داخل الصين تظهر إشارات ضعف في الإنتاج، حيث انخفض الإنتاج إلى 1.05 مليون طن خلال أبريل، بتراجع 3% عن الشهر السابق، مع توقعات باستمرار الضغط خلال مايو نتيجة أعمال الصيانة في المصاهر.
هذا التراجع في الإنتاج يزيد من حساسية السوق لأي اضطرابات إضافية في سلاسل الإمداد العالمية.

الولايات المتحدة تضيف ضغطاً جديداً على السوق
في السوق الأمريكية، واصلت عقود النحاس الآجلة صعودها القوي لتصل إلى مستوى قياسي عند 6.69 دولار للرطل، مسجلة ارتفاعاً بنحو 75% منذ أكتوبر 2023، وأكثر من 40% خلال عام واحد فقط.
كما اتسعت الفجوة السعرية بين سوق كومكس الأمريكية وبورصة لندن إلى أكثر من 500 دولار للطن، في ظل توقعات بفرض رسوم جمركية على واردات النحاس المكرر، ما دفع جزءاً من الإمدادات نحو السوق الأمريكية على حساب الأسواق الأخرى.
هذا التحول في تدفقات التجارة العالمية ساهم في زيادة الضغط على الأسعار في الأسواق الدولية الأخرى.
واشنطن وبكين تعيدان تشكيل سوق المعادن
تلعب السياسات التجارية بين الولايات المتحدة والصين دوراً محورياً في إعادة تشكيل سوق النحااس العالمي، حيث تعمل واشنطن على تعزيز إمدادات المعادن الاستراتيجية، في حين تواجه الصين تحديات تتعلق بتكاليف المعالجة وقيود المواد الخام.
وفي الوقت ذاته، تؤثر هذه التحركات على توازن العرض العالمي، ما يجعل سوق النحااس أكثر حساسية للقرارات السياسية والتجارية مقارنة بالماضي.
هل يقترب النحاس من قمة تاريخية جديدة؟
مع استمرار قوة الطلب العالمي وتفاقم قيود الإمدادات، تزداد التوقعات بأن النحااس قد يكون في طريقه لاختبار أو تجاوز قمته التاريخية السابقة.
فالمعدن الأحمر أصبح اليوم في قلب التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، والرقمنة، والبنية التحتية الذكية، ما يمنحه دعماً هيكلياً طويل الأجل يتجاوز الدورات الاقتصادية التقليدية.
وفي حال استمرار هذا التوازن غير المستقر بين العرض والطلب، فقد يدخل النحااس مرحلة جديدة من الارتفاعات القياسية التي تعزز مكانته كأحد أهم المعادن الاستراتيجية في الاقتصاد العالمي الحديث.
المعادن الصناعية توسّع مكاسبها
لم يقتصر الزخم الصعودي على النحاس فقط، حيث ارتفع الألومنيوم بنسبة 0.3% ليصل إلى 3,574 دولاراً للطن، كما صعد القصدير بنسبة 0.5% إلى 55,070 دولاراً للطن، ما يشير إلى موجة صعود شاملة في قطاع المعادن الصناعية.
ويعكس هذا الأداء أن الأسواق تراهن على استمرار الطلب الصناعي القوي عالمياً، رغم التحديات الاقتصادية والجيوسياسية التي تلقي بظلالها على حركة التجارة وسلاسل الإمداد.